إقليم الجزيرة والفرات الجانب البشري

بقلم: عصام خوري

22/3/2004

2015-06-0411-37-36.629725-4178-1-555x318

اعمار الإقليم وسكانه:
يعد إقليم الجزيرة والفرات من المواطن المبكرة لإنسان العصور الحجرية بأدوارها الثلاثة. وقد استمر الإعمار فيه امتداداً لإعمار بلاد الرافدين وسورية من عهود الحضارات القديمة إلى العهد العربي الإسلامي والعصر الحديث، ويلاحظ من أسماء المناطق قبل عملية التعريب التي قامت بها الحكومة السورية بالإضافة للآثار القديمة لتلك المنطقة العمق السرياني في تلك المنطقة. وقد تراجع استيطان الإقليم في أزمنة الاضطراب والغزو، آخرها الغزو المغولي عام 224 م ثم غزو تيمورلنك عام 1394 م.

وظل الإقليم شبه مهجور إلا من القبائل الرعوية الرحل، إلى أواخر العهد العثماني حين أسكن العثمانيون عددا من القبائل العربية والكردية فيه. إضافة إلى توطين قبائل عربية محلية ومجموعات من القفقاسيين (الشركس والشيشان) الذين احتل الروس ديارهم وهجَروهم منها عام1864 وما بعده. وقد أخذ إعمار الإقليم بالازدياد بعد رسم الحدود السياسية السورية –التركية عام 1923 إلى عام 1939. إذ تدفق على الإقليم المهاجرون والهاربون بالآلاف من الأراضي السورية التي ضمت إلى الجمهورية التركية الحديثة، ولاسيما بعد تخطيط الحدود هنا عام 1928. أغلبهم من أصول عربية، من السريان وكذلك من الأكراد والأرمن، بل ومن التركمان والأتراك من سكان مناط ق ديار بكر وماردين وأورفا وميدياد ( ميديات ) وآزخ. وقد اكتملت قائمة الوافدين على الإقليم بوصول الكلدان والآشوريين القادمين من العراق بين عامي 1933–1936 ومع ذلك لم يتجاوز عدد سكان الإقليم في عام استقلال سورية 40000 نسمة. أي بكثافة لا تزيد على فرد واحد في الكيلومتر المربع. وقد بدأ الإعمار الفعلي للإقليم منذ خمسينات القرن العشرين (550000 نسمة عام 1956 )، ثم (18806000 نسمة عام 1989). ويقدر عدد السكان لعام 2002 بنحو 3050000 نسمة إي بكثافة قريبة من 60 نسمة للكيلومتر المربع. ويتركز معظم السكان في وادي الفرات الذي يضم أكبر مدن الإقليم، وفي منطقة الجزيرة العليا، ووادي الخابور ثم وادي البليخ، دليل الارتباط الوثيق للإنسان بالمصادر المائية، حتى في زمن تقنيات الوصول إلى المياه بعيداً عن الأنهار والينابيع. والإقليم اليوم قبلة العاملين في مشاريع التنمية والاستثمار الزراعي وغيره، بعد ما كان دار نفي وإبعاد لتأديب الموظفين المغضوب عليهم. ويمتد الإقليم على محافظة الحسكة وأجزاء من محافظات دير الزور والرقة وحلب.

يعيش الإقليم تطورات سكانية مهمة منذ استقلال سورية وما حمله من تطورات اقتصادية واجتماعية، أهم هذه التطورات هي الزيادات السكانية أولاً، وحركة السكان وهجراتهم الداخلية والخارجية ثانياً. ومصادر الزيادات هي: الزيادة السكانية الطبيعية، وتحول معظم البدو الرحل إلى سكان مستقرين، واستقرار أغلب المهاجرين من الأقاليم السورية الأخرى، من العاملين في استثمار حوض الفرات والمشاريع الزراعية والصناعية-الاستخراجية وغيرها، وكذلك من تسرب الوافدين من وراء الحدود الشمالية. لكن أبرز المظاهر السكانية في الإقليم تبقى الحركة أو الهجرة السكانية الداخلية وهي على نوعين:

1) الهجرة المألوفة: من الأرياف إلى المدن. لاسيما إلى مدن دير الزور، التي كان عدد سكانها عام 1960 قرابة 42000 نسمة، ويقدر بنحو195000 نسمة لعام 2002، والحسكة التي كان عدد سكانها 18870 وأصبح نحو 153700، ثم مدينة الرقة التي كانت تعد 14554 نسمة وأصبحت تعد 2165000 نسمة للسنوات نفسها. كذلك تضاعفت أعداد سكان بقية مدن الإقليم مثل القامشلي والبوكمال والميادين وعامودا ورأس العين والدرباسية والمالكية (ديريك) وعين العرب والقحطانية وتل أبيض وتل تمر، وغيرها من بلدات أصبحت ديموغرفياً مدناً، كما نشأت مدن جديدة مثل مدينة الثورة ورميلان وغيرهما في مواطن حقول النفط والغاز. ونشطت حركة السكان باتجاه المدن عامة والمناطق الصناعية والمعامل وحقول النفط والغاز والمنشآت الزراعية والاقتصادية الأخرى في مناطق المشاريع الزراعية المروية في واديي الفرات والخابور.

2) الهجرة من مناطق غمر الفرات: وتشمل سكان وادي الفرات الذي غمر بمياه بحيرة السد عام 1975، ويقدر عددهم بنحو 14150 أسرة، استقر منها 55% حول البحيرة، و 9% في مزارع الدولة، و3% في منطقة الرقة، و4 بالألف في منطقة حلب والباقي، أي 4530 أسرة تم توزيع أفرادها في قرى أقيمت على امتداد الحدود التركية من منطقة المالكية إلى جنوب غربي رأس العين بنحو 35 كم. وتعرف هذه القرى، وعددها 41 قرية، بقرى الغمر. وقد هدفت عملية التوطين السكاني هذه إلى تأمين الأرض والبديل لمن غمرت مواطنهم بمياه الفرات، إضافة إلى تحقيق أهداف قومية وسياسية استراتيجية. إذ هدف إلى إقامة نطاق عربي حدودي مقابل لتركيا شمال حقول النفط السوري. كما سعى إلى دمج فئات سكان الإقليم. لكن فوارق الأوضاع الطبيعية البيئية، واختلاف أنماط المعيشة والعلاقات الاجتماعية بين وادي الفرات وأعالي الجزيرة العليا. أدى إلى ظهور الكثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وللسكانية التي دفعت الكثيرين من المهجرين للهجرة إلى المدن أو إلى خارج الإقليم.

يربو عدد التجمعات السكانية في الإقليم على 2200 تجمعاً، أغلبها قرى صغيرة عدد سكانها بين 250-500 نسمة لمتوسط التجمع، بل وأقل من ذلك، ونحو 550 قرية يزيد عدد سكانها على 1000-2000 نسمة. وتتركز القرى الكبرى في وادي الفرات الأوسط والأدنى في حين تنتشر القرى المتوسطة الحجم في أودية الأنهار الأخرى وفي منطقة الجزيرة العليا, وحول مراكز المناطق والنواحي الإدارية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عدد التجمعات السكانية في مطلع القرن الحادي و العشرين هو أقل من عددها في الألف الأول ق.م التي تحولت إلى تلال أثرية يزيد عددها على 3000 تل في الجزيرة العليا وحدها.

ويلاحظ أن الكثير من التجمعات السكانية يحمل أسماء مزدوجة، كردية أو تركية قديمة أو سريانية، وأخرى عربية حديثة، في مناطق وجود الأقليات الإثنية في الجزيرة العليا. والغالب على قرى الإقليم أنها حديثة نسبياً، لا يزيد عمرها على قرن.

كذلك مدن الإقليم فأكثرها حديث لا يزيد عمرها على قرن، كانت قرية صغيرة ومغمورة لم يتجاوز عدد سكانها بضع مئات، آو كانت ثكنة أو مخفراً، أو محطة على سكة حديد الحدود السورية –التركية، مثل القامشلي والحسكة وعامودا والدرباسية والمالكية والقحطانية وغيرها. إضافة إلى عدد من المدن الحديثة التي ظهرت وتطورت مرافقة للصناعة الإستخراجية للنفط والغاز الطبيعي مثل الرميلان، أو مرافقة لإنشاء سد الفرات والتوسع في المشاريع المرتبطة به مثل مدينة الثورة. أما أقدم مدن الإقليم المأهولة اليوم فهي :

الرقة ورأس العين ودير الزور، إضافة إلى مجموعة من المدن الأثرية غير المأهولة في وادي الفرات والخابور والجزيرة العليا. وأهم مدن الإقليم هي: دير الزور والرقة والحسكة القامشلي ورأس العين وعامودا والبوكمال والمالكية( ديريك ) وغيرها.

يعد إقليم الجزيرة وبخاصة محافظة الحسكة، منطقة لقاء القوميات والثقافات المختلفة.

(السريان، الأكراد، الأرمن، الآشوريين، العشائر العربية ” عشائر البقارة والعقيدات والأبوشعبان(ألب وشعبان) وشمر وطي والجبور والشرابيين وقيس”، مهاجرين جدد من مناطق سوريا إلى مناطق الثروات الجديدة، أيزيديون).

وتعد مدينة القامشلي حاضرة الإقليم، ولقربها من الحدود التركية لم تعتمد مركز محافظة.

التعايش أو… الرفض:

خلال فترة الحكم العثماني التركي للمنطقة ومنذ أواخر الثمانينات ووصولا إلى بدايات التسعينات شهدت الجزيرة العليا عدد من أكبر المجازر في تاريخ المنطقة تمثل باستخدام الأتراك للأكراد تحت لواء الدين في قتل المهاجرين من الآشوريين والأرمن وامتد ذلك ليشمل البقية المسيحية في المنطقة من سريان، لتنخرط القبائل العربية في النزاع الدموي. وعلى الرغم من مرور ما يتجاوز المئة عام على تلك الأحداث المأساوية إلا أن النفوس لم تصفى… والواقع يخبرنا انعدام التعايش والشعور بالغبن بين جميع الأطراف.

الأكراد: ليس من إحصاء رسمي يبرز عددهم لكن وجودهم يقدر بحوالي 9% من إجمالي سكان سوريا، وهم موزعين في عدة مناطق منها شمال حلب منطقة عفرين ومناطق القسطل وفي أحياء الشيخ مقصود من حلب ومنطقة دمر في دمشق، ويتشكل أكبر تمركز لهم في منطقة الجزيرة العليا، حيث كانوا يسكنون القرى المحيطة في المدن الرئيسية كالقامشلي والمالكية ورأس العين، وما لبسوا أن استملكوا منازل في المدن ليصبحوا الأكثرية في هذه المدن بعد الهجرة المسيحية الكبيرة منها. امتاز الأكراد خلال حكم الأسد الأب بمناخ من العمل السياسي، وخاصة لدعم قضيتهم ضد تركيا التي تحتل لؤاء اسكندرونة المرفأ السوري الهام جداً.

الأجانب “المكتومين”: ليس من إحصاء رسمي يبرز عددهم وتوزعهم، إلا أنهم من القومية الكردية وكانوا من أكثر المساعدين والمناصرين لحزب العمال الكردستاني التي تزعمه عبد الله أوجلان قبل اعتقاله، وينتشرون في قرى على الحدود التركية السورية في محافظة الحسكة. وتقدر الأوساط الكردية عددهم بحوالي 250ألف شخص في حين يقدر عددهم بعض القيادات العربية بحوالي “120-170″ ألف. وهم محرومون من حقوق المواطنة السورية كالاستملاك والحصول على هوية وبسبور سفر حتى إنهم لا يستطيعون مغادرة محافظة الحسكة أو تسجيل أولادهم.

العشائر العربية: وهي عبارة عن أفخاذ أو بطون من العشائر السنية الأم في العراق، وتحكم فيما بينها سلطة شيخ العشيرة ذو السلطة الأعلى في حل مجمل الخلافات، وتغدو قوانين ودساتير الجمهورية العربية السورية أوراق عمل في دستور سيد العشيرة يقرها لقومه أو ينفيها، ويلاحظ من عاداتهم انتهاج عادات العرب القبلية القديمة والتمسك بها ك-التحيير: عدم الزواج بغير ابن العم، وزواج المقت وإكرام الضيف لثلاثة أيام…

الآشوريون والسريان والكلدان: ليس من إحصاء رسمي يبرز عددهم، لتعامل الحكومة السورية معهم لا كقومية بل كطائفة مسيحية. لكنهم بصورة عامة هم من مؤسسين المدن وأصحاب العقارات والملاكين الأساسين، لكن فراغ السلطة حولهم وإهمالهم ودعمها للأكراد، وحضن أوروبا لهم وخاصة الدول الاسكندنافية التي منحتهم حق الهجرة، جعلهم من أكثر القوميات هجرة للخارج في المنطقة. ويرى بعض المثقفون أن هذه الهجرة كانت مرسومة مسبقاً لهدف تفريغ هذه المنطقة من الوجود المسيحي، خاصة وإن دول الخارج كانت ترفض هجرة عدد كبير من مسيحي الساحل أو دمشق لها.

اليهود: لم نستطع حصر عددهم سوى بعائلتين متواجدتين في القامشلي، بعد أن كان لديهم حي كامل، وهم من التجار، وما يزال الحي يحمل على واجهات المتاجر أسماء أصحابها اليهود الذين تركوا متاجرهم وهاجروا للخارج.

الأيزيديون: وهم أقلية قليلة جداً، تعذر علينا معرفتهم، لرفضهم من قبل السكان واتهامهم بأنهم عبده الشيطان وكفره، والوجود الأكبر لهم في العراق.

الحياة السياسية:

– الأحزاب الكردية: من المدهش أن نعلم القارئ أن عدد الأحزاب الكردية في هذا الإقليم يصل إلى 11حزب غير مرخص، وهذا بحق يجعلنا نتخيل أن الحركة الكردية مازالت تحكمها النزعة العشائرية والتي تقوي قواسمها روح العصبية القومية ومن الأحزاب الكردية:

” حزب اتحاد الشعب الكردي، حزب العمال الكردستاني، التحالف الديموقراطي الكردي، حزب الوحدة الكردي (يكيتي)، الحزب اليساري الكردي، الحزب التقدمي الوطني الديموقراطي الكردي، الحزب التقدمي الكردي، حزب الاتحاد الشعبي الكردي، الحزب الديموقراطي الكردي، الحزب التقدمي الكردي، الحزب الديموقراطي البارتي”.

– الحركة الآثورية: وهي حركة ثقافية إصلاحية تدعو لترسيخ القومية السريانية والآشورية في الدولة السورية.

– الحركات العشائرية: وهي حركات تنظيمية أكثر منها سياسية، تسعى لتنظيم حياة العشيرة ولكل عشيرة نظمها وعاداتها التي تتميز بها.

– الحركة الشمرية: وتدعو لقيام دولة تحت سيادة عشيرة شمر العربية، العشيرة الأغنى مادياً في المنطقة.

المصادر:

– مديرية احصاء محافظة الحسكة.

– الإنماء والسكان- عصام خوري دار IQ

– دراسات ميدانية.

– وجيز الأقاليم السورية- د.عادل عبد السلام

 

Leave a Reply